ابن أبي الحديد

19

شرح نهج البلاغة

عليهم الكذب ولا التغيير ولا التبديل ولا الكتمان ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة ، ولا الغلط فيما يؤدونه عن الله تعالى ، ولا السهو فيه ولا الألغاز ولا التعمية ، لان كل ذلك إما أن ينقض دلالة المعجز على صدقه ، أو يؤدى إلى تكليف ما لا يطاق . وقال قوم من الكرامية والحشوية : يجوز عليهم الخطأ في أقوالهم ، كما جاز في أفعالهم ، قالوا : وقد أخطأ رسول الله صلى الله عليه وآله في التبليغ ، حيث قال : " تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجي " . وقال قوم منهم : يجوز الغلط على الأنبياء فيما لم تكن الحجة فيه مجرد خبرهم ، لأنه لا يكون في ذلك إبطال حجة الله على خلقه ، كما وقع من النبي صلى الله عليه وآله في هذه الصورة ، فإن قوله ذلك بمبطل لحجة العقل في أن الأصنام لا يجوز تعظيمها ، ولا ترجى شفاعتها . فأما ما كان السبيل إليه مجرد السمع فلو أمكن الغلط فيه لبطلت الحجة بإخبارهم . وقال قوم منهم : إن الأنبياء يجوز أن يخطئوا في أقوالهم وأفعالهم ، إذا لم تجر تلك الأفعال مجرى بيان الوحي ، كبيانه عليه السلام لنا الشريعة ، ولا يجوز عليه الخطأ في حال البيان ، وإن كان يجوز عليه ذلك في غير حال البيان ، كما روى من خبر ذي اليدين ( 1 ) حين سها النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة ، وكذلك ما يكون منه من تبليغ وحى ، فإنه لا يجوز عليه أن يخطئ فيه ، لأنه حجة الله على عباده . فأما في أقواله الخارجة عن التبليغ ، فيجوز

--> ( 1 ) نقله أبو داود في كتاب الصلاة 1 : 363 بسنده عن أبي هريرة قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى : الظهر أو العصر ، قال : فصلى بنا ركعتين ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها ، أحداهما على الأخرى ، يعرف في وجهه الغضب ، ثم خرج سرعان الناس ، وهم يقولون : قصرت الصلاة ! قصرت الصلاة ! وفى الناس أبو بكر وعمر ، فهاباه أن يكلماه ، فقام رجل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين ، فقال : يا رسول ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : " لم أنس ولم تقصر الصلاة " ، قال : بل نسيت يا رسول الله ، وأقبل رسول الله على القوم فقال : " أصدق ذو اليدين " ؟ فأومئوا : أي نعم ، فرجع رسول الله إلى مقامه فصلى الركعتين الباقيتين ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع فكبر " .